c

آفلاطون و لا أخلاقية الفن ؟!

سبتمبر 15, 2020 1 تعليق

 


كان الفيلسوف أو محب الحكمة الشهير أفلاطون من اوائل الفلاسفة المثاليين. عايش أفلاطون سقراط سنين طويلة وكان تلميذه النجيب. سافر حول العالم وتعلم الكثير في مصر والهند على عكس أرسطو الذي لم يذهب إلا لمصر. طور أفلاطون العديد من الافكار الفلسفية العظيمة و اشهرها فكرةعالم المُثل”. عالم المُثل عالم تتواجد فيه التصورات الكلية مثل تصورالكوبأو تصورالدائرة” “المثلثو الخمن تصورات كلية. ما المقصود بالتصور الكلي يا ترى؟ التصور الكلي تصور لا يمكن له أن ينعكس فعليا في عالم الواقع. فالكوب في الواقع جزئي متحيز. يوجد في الواقعهذا الكوبوذاك الكوبأوهذه الشجرةوتلك الشجرةلكن التصور الكلي للشجرة موجود في عالم المثل حيثفكرةالشجرة الكاملة التي نتخيلها عندما يخبرنا احدهم عن الشجر بصورة عامة. هذه هي فلسفة أفلاطون المثالية التي ترى أن لكل شيء جزئي في عالم الواقع تَصور كُلي في عالم الُمثل. و بهذا أصر أفلاطون على تعلم الرياضيات وعلى فهم التصورات الكُلية. أنشأ أفلاطون اكاديميته المشهورة و فيها حاول تعليم تلاميذه مقاربة الكمال الرياضي عوضا عن السماح لما هو جزئي بأن يستحوذ على تصوراتهم ويبعدهم عن الِمثال والكمال.

بعد المقدمة البسيطة هذه لفلسفة أفلاطون نستطيع أن نتحدث عن مدى تأثير نظرية عالم المُثُل على الفن والجمال. من منظور أفلاطون و بما أن عالم المُثُل يحتوي على الصورة المثالية فبالضرورة الصورة تلك هي الصورة الحقيقية للشيء.لأن المثال كمال الواقع. كليته أعلى من تغيرات الواقع المتقلب، المتعين، والمتحيز بالعوامل المختلفة. حقيقة هذه الافكار الموجدة في عالم المثل لا يمكن نسخها في الواقع، فالكمال فقط في عالم المُثُل، عالمنا المادي متحيز غير مثالي لا يستطيع نسخ كمال المثلث ذو الاعمدة المتساوية، الدائرة، أو الصورة المثالية للطاولة أو الكوب

 

و من هنا انطلق أفلاطون ليخبرنا بأن هناك أنواع من الفن: فنون عملية مفيدة، و فنون مقلدة غير مفيدة بل خطيرة ويجب الحذر منها. من الممكن لنا منطقيا أن نحلل و أن نقيم القطع الفنية العملية أو الممارسات الفنية العملية. فعندما يتصور النجار الطاولة ويقوم باعادة صنع صورة الطاولة تلك في الواقع، فانه يحاول و بكل جهد أن يصنعها صنعة متقنة من الممكن تقييمها عمليا وبالتالي تغدوا ذات فائدة. فالنجار عندما يصنع الطاولة يقوم باختبارها ضد العديد من العوامل الواقعية (التحمل، التوازن، الحجم، و الوزن) لذا من الممكن للشخص العادي أن يقيم صلاحية وكفاءة تلك الطاولة بعقلانية تامة موضوعية

 

ماذا عن الفنان المقلد؟ كالرسام، الممثل، أو الشاعر في بعض الأحيان؟ النجار يقوم بتقليدحقيقةالطاولة المتواجدة في عالم المُثُل (في خياله)، هذه أول خطوة في التقليد و أول خطوة يبتعد فيها الشيء عن أصله (حقيقته). يقوم الفنان المقلد في الابتعاد خطوة اخرى عن الحقيقة عندما يقوم بنسخ الطاولة من الواقع الى لوح الرسم الذي لا يمكن تقييمه عمليا. تبتعد الطاولة هنا عن التقييم العملي الخادم لفائدة، الى التقييم الجمالي الذي لا يخدم فائدة عامة بل مقيد برأي شخص معين. فالفن بالضرورة مقلد للواقع المتحيز، لا المثال الموجد في عالم المثل. هكذا، و على حسب أفلاطون، يبتعد الفنان عن الحقيقة الكاملة المجردة و الموضوعية درجتان، و في هذا خداع مضاعف.

 

لماذا الخداع يا ترى؟ هل يحذرنا أفلاطون هنا من خطورة البروباجاندا و الغزو الفكري؟ الجواب بالتأكيد نعم. فقد لاحظ أفلاطون تقلب شباب اليونان بما يتم عرضه في المسارح الاغريقية. كانت المسرحيات محركة للنفوس، موقدة للمشاعر، و مذهبة لعقل كل بالغ. أصر أفلاطون على أن المسرحيات تقوم بتكبير التناقضات ما بين الشخصيات، و تجعلهم يتنافسون على المسرح بطريقة مبالغ فيها. و النتيجة، اظهار للمشاعر التي نقوم في أغلب الأحيان باخفائها عن عامة البشر. المبالغات العاطفية على المسرح تؤثر على الجمهور الذي بدوره قد ينفعل بطريقة مبالغ فيها أيضا. كان الجمهور على سبيل المثال ينفعل لدرجة تدفع بعض الممثلين الى قتل بعضهم، أو الى سلخ الحيوانات أمام الجمهور للتسليةيصنع الفنان المقلد دون أي علم بما قد يحتويه فنه من أخطاء، لأنه يصنع ما يشتهيه الجمهور فقط (أو ما يطلبه المستمعون). أو كما قال سقراط: رغم جهله بالأخلاق و بتقليده الغير أصلي للحقيقة يستمر في الصنع، لأن كل ما يقوم بتقليده يعجب الجمهور الجاهل

 

خلاصة الكلام في هذا الموضوع توضح لنا حب أفلاطون ومعلمه سقراط للعقلانية و الموضوعية الغير المتأثرة بالعينيات والعواطف. الفن بالنسبة لأفلاطون يؤثر على مشاعرنا و بالتالي يحجب عنا طرق التواصل الاجتماعي الحقيقية التي تسلتزم فهما سياسيا عقلانيا، لا عاطفيا. يبعثنا الفن على الانفعال عندما يسلط الضوء على التناقضات و يبالغ فيها، خصوصا على المسرح لكي يرضي جمهورا متشوقا لكل ما هو مثير. يقلد الفنان الواقع المتحيز، ولا يصور الكمال او المثال المجرد بطريقة أصلية و في هذا خداع يجعلنا نصدق حقيقة الفنان المتعينة، لا الحقيقة الكلية أو المثالية الموجدة في عالم المثل. قد يقنعني الشاعر/الرسام/الكاتب/الممثل الماهر بمحبة مجرم، كره رجل ودود، التقليل من شأن انسانة بشعة، أو تبجيل بطلة جذابة، وفي هذا ابطال للعقل الملم بسطحية هذه الامور. و كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما:(( إن من البيان لسحراً )) (رواه البخاري).

بهذا قد نفهم حكمة عدم رسم الأنبياء في الاسلام، أو عدم رسم الأرواح. ففي رسم الأرواح تجسيد لكمالها ومثالها و في حال البشر تبسيط لجوهرهم المعقد (روحهم). عندما ندرس تاريخ الفن المسيحي نرى بأن الرسامين وبحكم عواطفهم قاموا بتغيير شكل سيدنا عيسى عليه السلام مرات عديدة. تحول وجهه من قمحية أو سمار رجل من الشرق الأوسط الى وردية و شقار الرجل الاوروبي. الفن المهووس بالرسم والتلوين جزء لا يتجزأ من لوح المسيحية العاطفية. لوح جسدت سيدنا المسيح في حالات من العذاب والتضحية أكدت فكرة التثيليث، وجسدت ما لم يكن من الممكن تجسيد تعقيده وقداسته الكلية. ففي نسخ الأشخاص تأطير لهم و تبسيط قد يحولهم الى سلع أو منتجات، تماما كما تقوم بعض الاعلانات بتبسيط المرأة لتجعلها سلعة جنسية. تنبه أفلاطون  وسقراط الى هذه النقطة و نصحوا من استطاعوا نصحه في اليونان، لكن سيقوم تلميذ أفلاطون، أرسطو بالرد على معلمه، وهذا ما سأتناوله في المقالة القادمة.

--------- 

 المُوْجدة: على وزن مُفعلة و تفيد الايجاد من فاعل خارج النفس. هذا التصحيح اللغوي يتماشى مع العقيدة الاسلامية - كما وضحها حجة الاسلام أبو حامد الغزالي - فيما يخص الفلسفة. فالموجود دائما موجد من خارج نفسه (من الله سبحانه وتعالى) و لا يجوز أن نقول بأن الأفكار أو التصورات الكلية موجودة في عالم المثل كما أدعى أفلاطون، بل هي موجدة هناك (اذا سلمنا بنظرية عالم المثل أصلا). 

المؤلف

Mahmoud

محمود زيني 
فنان تحريك واخراج، رسام كاريكاتير، و باحث في الدراسات البصرية، الفلسفية، و الثقافية. من مواليد مكة، و نشأ في جدة. درس التحريك و فنون الاعلام في المعهد الفني في لوس أنجلوس، و من ثم أنتقل الى جامعة كاليفورنيا الفنية في سان فرانسيسكو وأكمل دراسة التحريك، الاخراج، و الدراسات البصرية. بدأ الرسم في سن مبكرة، و في التاسعة تعلم التحريك ذاتيا، و أكمل اهتمامه بالفن و نظرياته وأخيرا الفلسفة عند ابتعاثه الى كاليفورنيا. يتطلع الى اكمال دراساته الفنية في أوروبا لكي يعلم الفن وأهميته للأجيال القادمة.

 

منتجاتي المفضلة على أرتيستيا

           


1 ردود

محمد
محمد

أبريل 09, 2017

المقال جميل ويعيطك العافية أخي ،، حقيقة جذبني المقال وأنا في وقت الدوام بالعادة لا اقرء المقالات ولكن فعلا شدني أن أنتهي من كل المقال للنهاية ،،، شكرا لك وشكرا لفريق ارتيستيا ،، منصحتكم جميلة وهادئة ،، فيها روح من الفن والذوق الرفيع في العرض ،، تمنياتي لكم بالتوفيق والنجاح

اكتب تعليقاً

سيتم موافقة التعليقات قبل عرضها


مقالات إضافية

خطوات صناعة الأحذية

يوليو 11, 2016 comment تعليقات

بدأت صناعة الأحذية مع الصيادين القدماء الذين ابتكروا طريقة لتغطية أنفسهم وخاصة أرجلهم باستخدام جلد الحيوان الطبيعي بالإضافة إلى الأوراق النباتية وربط أجزائها وعمل أحذية منها. الأحذية في القديم كانت عملية جدا وللفئة العاملة فقط ولكن في منتصف القرن ١٨ أصبحت صناعة الأحذية تجاريا اكثر فقد قامت المحلات ببيع الأحذية لعامة الناس واتخذوا منها شكل تكميلي للباس أو الزي.

المزيد

إعادة تدوير سعف النخل خطوة بخطوة

أبريل 20, 2016

لا أؤمن بوجود المخلفات إنما أؤمن بإعادة استعمال "المخلفات" لذلك حرصت أن أعيد تصنيع اي شيء  يعتبر من المخلفات. لاحظت بوجود الكثير من سعف النخل في شوارع جدة. و أحزنني فكرة أن الطريقة الوحيدة للتخلص من سعف النخل الناشف هو حرقه! طلبت من إحدى عاملين النظافة جمع أسعف النخل الناشفة من شوارع حارتنا و أعطيته مقابل مالي لعمله.

المزيد

إلهام الفنان وبصمته

مارس 16, 2016 comment تعليقات

كل فنان له بصمة خاصة أو تقنية يتميز بها تكون بدايتها بسيطة ... تبدأ من إلهامه الذي ينبع من أسلوب الحياة التي يعيشها لحظة بلحظة .. أفكاره .. أو مشاعره ..أو قد تكون عن الناس .. طموحاتهم و أحلامهم. فالفنان يحمل رسالة في كل مرة يقوم بها بعمل فني بحت ينم عنه أحساس قوي لهدف معين أو قضية ما..أو مجرد لمحة من الحياة اليومية، كوب قهوة أو حوار مع غريب.

المزيد